أبي منصور الماتريدي

76

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله - عزّ وجل - : وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ فيه دلالة أن الإيمان والإسلام واحد في الحقيقة ؛ لأنه بدأ بالإيمان بقوله : إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وختم بالإسلام بقوله : إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ دل أنهما واحد هو اعتقاد ترك تضييع كل حق ، والإسلام اعتقاد تسليم كل حق وترك تضييعه ، والله أعلم . والإسلام هو جعل كلية الأشياء لله سالمة ، والإيمان هو التصديق بكلية الأشياء فيما فيها من الشهادة لله بالربوبية له والألوهية . وقوله : فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ يحتمل هذا وجهين : يحتمل : أن يكون قال ذلك لما خافوا مواعيد فرعون وعقوباته ؛ كقوله للسحرة لما آمنوا : لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ . . . الآية [ الأعراف : 124 ] ، فقال عند ذلك : فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا في دفع ذلك عنكم ، فقالوا : عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ . قوله : لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ يحتمل ما قاله على خوف من فرعون وملئه أن يفتنهم ما قيل أي « 1 » : يقتلهم ويعذبهم ، والله أعلم . هذا يخرج على وجهين : أحدهما : أي لا تجعل لهم علينا الظفر والنصر ، فيظنون أنهم على هدى وعلى حق ونحن على ضلال وباطل « 2 » . والثاني : لا تجعلنا تحت أيدي الظلمة فيعذبونا ؛ فيكون ذلك فتنة لنا ومحنة على ما فعل فرعون بالسحرة لما آمنوا . وقوله - عزّ وجل - : وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ فيه أن قوله : الظالمين والكافرين واحد ، والله أعلم . قوله تعالى : [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 87 إلى 89 ] وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ( 87 ) وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالاً فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ ( 88 ) قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ( 89 ) وقوله - عزّ وجل - : وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً . . . الآية يحتمل وجهين :

--> ( 1 ) في أ : أن . ( 2 ) في أ : وبطلان .